ما أعمقَ أن تُدركَ أنّ كلَّ هذا الضجيجِ الذي نعيشُه اليوم، والتفاصيلِ السريعة، والتعبِ الذي نتحمله، والشغفِ الذي يشتعلُ في صدورنا... سيستحيلُ يوماً إلى مجرد أطيافٍ هادئة. ستتلاشى كلُّ التعقيدات، ولن يتبقى من هذا الفصلِ بأكمله سوى عطرٍ خفيفٍ يستقرُّ في ثنايا الذاكرة، وموقفٍ عابرٍ نتذكره فنبتسم، وذكرى دافئة عصيّةٍ على النسيان.
هذا الإدراك لا يدعو للأسف، بل هو دعوةٌ صادقة كي نعيشَ اللحظةَ بكامل حواسنا.
حين تفهم أن الأيامَ مجرد محطاتٍ نعبرها، تتوقف عن الصراع مع الوقت، وتتوقف عن القلق من الغد. تبدأ في العيش بحضورٍ حقيقي؛ تتذوق كوب القهوة بعناية، تصغي للمطر وكأنه يعزفُ لك وحده، وتصافح الأيامَ بروحٍ خفيفة... لأنك تعلم أنك لا تملكُ من الزمان إلا هذه اللحظة، وأن أجمل ما نتركه خلفنا حين تمضي المراحل ليس ما جمعناه، بل الأثرُ الطيبُ الذي انطبع في أرواحنا وأرواح من أحببنا.
وهنا تماماً تسقطُ الأوهام...
حين تعي أنك في هذه اللحظة بالذات تصنعُ الماضي الذي ستشتاقُ إليه غداً. ستلتفتُ يوماً إلى خافقك لتسأل: كيف مرت تلك الأيام بكل ثقلها وجمالها؟ فلن تجد إجابةً سوى صدى الأثر، ورائحةِ الأوراق، ودفءِ المواقف
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل من يعلّق.